خلال مؤتمر صحفي عقب لقاء الأمير في الدوحة .. الصادق المهدي يعلن دعم أمير قطر لجهود حل الأزمة السياسية بالسودان

الصادق المهدي يعلن دعم أمير قطر لجهود حل الأزمة السياسية بالسودان خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة القطرية الدوحة بعد يوم من استقبال أمير قطر له
أعلن رئيس حزب الأمة القومي السوداني الصادق المهدي، الأحد 21 مايو/أيار 2000، أن أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أبدى ترحيبه بدعم الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي شامل للأزمة السودانية.
جاء ذلك في تصريحات أدلى بها المهدي خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة القطرية الدوحة بعد يوم من استقبال أمير قطر له في الديوان الأميري السبت 20 مايو/أيار، في أول لقاء رسمي بين الجانبين.
وأوضح المهدي أن اللقاء تناول التطورات السياسية في السودان، حيث دعا الأمير إلى مواصلة اهتمام قطر بالشأن السوداني والمساهمة في دعم جهود الحل السياسي للأزمة بين الحكومة والمعارضة.
وقال: “وجدنا من الأمير ترحيبا بهذا التوجه وتفهما عميقا لطبيعة الأزمة السودانية”، مشددا في الوقت ذاته على أنه لم يتم التطرق إلى أي مبادرة محددة خلال اللقاء.
وبالإضافة إلى الأمير، التقي المهدي خلال زيارته الدوحة عددا من المسؤولين القطريين، بينهم وزير الخارجية حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.
وتأتي الزيارة في إطار جولة إقليمية بدأها منتصف مايو/أيار الجاري، تشمل عددا من الدول العربية والإفريقية، بهدف حشد الدعم لحل شامل للأزمة السياسية في السودان.
وفي 30 يونيو/حزيران 1989، أطاحت مجموعة من ضباط الجيش بقيادة العميد عمر البشير (الرئيس حاليا) بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، في خطوة أُطلق عليها لاحقا اسم “ثورة الإنقاذ الوطني”، بدعوى إنقاذ البلاد من أوضاعها السياسية والاقتصادية المتدهورة.
وأعقب ذلك حل البرلمان، وتعليق العمل بالدستور، وتجميد النشاط الحزبي، مما أدى إلى إقصاء معظم القوى السياسية، بما فيها حزب “الأمة القومي”.
أهم تطور بالسودان
واعتبر المهدي في المؤتمر الصحفي أن أهم تطور سياسي شهدته الساحة السودانية مؤخرا هو تخلي النظام الحاكم عن نهجه الإقصائي وأجندته الأيديولوجية، وهو ما قابله موقف مماثل من قوى المعارضة التي تخلت عن سياسة الإقصاء المضاد.
وأوضح أن هذا التحول المتبادل مهّد الطريق أمام إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، مشيرًا إلى أن ذلك ما شجّعه على المشاركة في اللقاء الذي جمعه بالرئيس البشير في جيبوتي.
ويشير المهدي إلى اللقاء الذي جمعه بالبشير في جيبوتي في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1999، بوساطة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيله، وهو الأول منذ الإطاحة بحكومته عام 1989.
وقد تمخض اللقاء آنذاك عن توقيع وثيقة “إعلان نداء الوطن”، التي تضمنت التزام الجانبين بعدة مبادئ أساسية لحل سياسي شامل، أبرزها إنهاء الحرب الأهلية عبر اتفاق سلام عادل، وإقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي، واعتماد مبدأ القسمة العادلة للسلطة والثروة بين جميع أبناء السودان.
مبادئ الحل الشامل
ولخص المهدي مبادئ الحل السياسي الشامل بالسودان في سبعة بنود تتمثل في التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في الجنوب، وإقرار الحقوق الدستورية، والاعتراف بالتنوع الديني والثقافي، واحترام حقوق الإنسان كما نصت عليها المواثيق الدولية.
وأضاف أن تحقيق هذا الحل يقتضي أيضا توزيع الثروة بشكل عادل، والتوافق على مشاركة منصفة في السلطة، وإقامة وحدة وطنية تقوم على الاختيار الحر لا على الإكراه.
وأكد أنه لا يوجد خلاف جوهري بين السودانيين حول هذه المبادئ، وأن الحكومة والمعارضة متفقتان على ضرورة التحول الديمقراطي الحقيقي وعلى تشكيل حكومة انتقالية توافقية لتحقيق أربع مهام رئيسة.
وأوضح أن هذه المهام هي تكوين دولة الوطن بدلا من دولة الحزب، وإزالة التجاوزات والمظالم، وتطبيق اتفاقية السلام، وإجراء انتخابات عامة ونزيهة تضمن تسليم السلطة للجهة المنتخبة.
مواقف رافضي الحوار
وأشار المهدي إلى أن بعض أطراف المعارضة، من خارج حزب الأمة، لا تتفق مع الطرح الداعي إلى بدء حوار سياسي مع النظام، مشترطة اتخاذ الحكومة إجراءات لبناء الثقة، من بينها رفع الحظر عن الأحزاب السياسية وإلغاء الإجراءات الاستثنائية.
لكنه شدد على أن تعهد الحكومة برفع الحظر وإلغاء القيود على حرية التنقل يعد كافيا لبدء أي مفاوضات، مؤكدا عدم الحاجة إلى تطبيق “الشروط التسعة” التي وضعها “التجمع الوطني الديمقراطي” المعارض خلال مؤتمره في أسمرة عام 1995 كمدخل للحوار مع الحكومة.
و”التجمع الوطني الديمقراطي” هو تحالف معارض أسسته قوى سياسية، بينها حزب الأمة القومي، في أديس أبابا عام 1990 ردا على ما تعتبره “انقلابا” أطاح بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا بقيادة المهدي.
ويسعى التجمع إلى إعادة الديموقراطية للبلاد وإسقاط نظام الحكم القائم عبر الوسائل السياسية أو العسكرية، لكن المهدي تبنى لاحقا خيار “الإصلاح من الداخل” والدفع نحو تسوية سياسية سلمية، بدلا من المواجهة المسلحة أو التحرك من الخارج.
وأشار المهدي إلى أن الذريعة الثانية التي تتذرع بها بعض فصائل المعارضة لعدم الدخول في حوار مع النظام حتى الآن تتمثل في اشتراط التنسيق بين مبادرة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا “إيجاد” والمبادرة المصرية–الليبية، معتبرا أن الحديث عن هذا التنسيق ليس له ما يبرره.
وأُطلقت المبادرة المصرية–الليبية المشتركة في 10 أغسطس/آب 1999، وتدعو إلى عقد ملتقى جامع للقوى السياسية السودانية لمناقشة القضايا الخلافية، ووضع أجندة وطنية شاملة تتضمن اتفاق السلام، وأسس الحكم، وذلك بمشاركة دول الجوار.
بينما أُطلقت مبادرة “إيجاد” في عام 1993 بهدف إنهاء الحرب الأهلية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، والتي اعترفت بحق تقرير المصير لجنوب السودان.
وفي هذا الصدد، انتقد المهدي مبادرة “إيغاد”، معتبرا أنها استبعدت أطرافا سودانية رئيسة واكتفت بالتفاوض بين طرفين فقط، في حين أن المبادرة المصرية–الليبية هي الوحيدة التي تعترف بجميع الأطراف وتمتلك آلية شاملة للحل.
أربع أجندات
وأضاف المهدي أن تردد البعض إزاء الحل السياسي الشامل في السودان يعود إلى ارتباطهم بأجندات أخرى، من بينها “الأجندة الحربية” التي تعتقد بإمكانية إسقاط النظام عبر العمل العسكري والاستيلاء على السلطة.
بالإضافة إلى “الأجندة التدويلية” التي تسعى إلى إدخال مجلس الأمن في كل تفاصيل الأزمة السودانية، و”الأجندة الشمولية” التي يتبناها من يرون ضرورة إقامة نظام حكم يمنع الأحزاب ويقيد الحريات السياسية.
وأكد المهدي تمسك حزبه بـ”الأجندة الوطنية”، وسعيه إلى حشد التأييد لها داخليا وخارجيا، والعمل على عزل الأجندات الأخرى.
ضمانات الثقة
وفي معرض حديثه عن ضمانات الثقة في النظام السوداني، اعتبر المهدي أن أبرز تلك الضمانات تتمثل في تراجع النزعة الإقصائية داخل النظام والمعارضة، بما يفتح الباب أمام خيار سياسي يقوم على التفاهم لا الصراع.
وأضاف أن الشعب السوداني هو الضمان الأكبر لنجاح أي مبادرة سياسية، مستشهدا بالاستقبال الحاشد الذي حظيت به قيادات حزب الأمة لدى عودتها إلى الخرطوم في فبراير/شباط 2000، عقب توقيع وثيقة “نداء الوطن”، حيث خرج أكثر من مليون ونصف مواطن مؤيدين للأجندة الوطنية.
وأشار إلى أن دعم دول الجوار للحل السياسي الشامل يمثل ضمانة إضافية بعد أن أدركت تلك الدول أن الاستقرار في السودان يخدم مصالحها الإقليمية، مشيرا كذلك إلى أن القوى الكبرى تربط دعمها التنموي بمدى احترام الدول لحقوق الإنسان والحريات العامة.
ولفت إلى أن داخل التيار الإسلامي، بشقيه السني والشيعي، بدأ يظهر توجه قوي يدعو إلى احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، معتبرًا ذلك تحولا جادا في الخطاب الفكري العربي والإسلامي.
وأضاف أن القمة الإفريقية الأخيرة في الجزائر (يوليو/تموز 1999) مثّلت ضمانة إضافية للديمقراطية، بتأكيدها دعم الحوار ورفض الانقلابات العسكرية، محذرا من أن من يتجاهل هذه التحولات بعقلية تكتيكية سيكون الخاسر في نهاية المطاف.
موعد العودة للخرطوم
وردا على سؤال حول موعد عودته إلى الخرطوم، قال المهدي إن القرار مرتبط بتطورات الأجندة الوطنية، موضحًا أنه سيعود متى اقتضت الحاجة السياسية أو التنظيمية ذلك، سواء لعقد مؤتمر أو المشاركة في حدث وطني مهم.
وأشار إلى أنه سيعود دون تردد عندما يقرر الحزب أن الوقت مناسب، مؤكدا أن هدفه الأول هو تعزيز مسار التسوية السياسية ودعم خيار الوفاق الوطني.
وعقب الإطاحة بحكومته، بقي المهدي في السودان لفترة، قبل أن يغادر في مايو/أيار 1996 متوجهًا إلى أسمرة ثم القاهرة.
مصادر الخبر:
-الصادق المهدي الى قطر للمرة الأولى
-المهدي في مستهل زيارة لقطر: أدعو الى لقاء سوداني جامع الساحة مهيأة لحل شامل
-الصادق المهدي في مؤتمر صحافي بالدوحة: أمريكا ستتراجع عن رفض المبادرة المصرية الليبية